علي محمد علي دخيل

209

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لنزوله بكم فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا أي فخلّصنا هودا والذين كانوا آمنوا معه من العذاب بإخراجنا إياهم قبل انزال العذاب بهم وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي واستأصلنا الذين كذّبوا بحججنا بعذاب الاستئصال فلم يبق لهم نسل ولا ذرية وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ باللّه ورسوله . وإنما قال ذلك ليبيّن أنه كان المعلوم من حالهم أنه لو لم يهلكهم ما كانوا ليؤمنوا ، كما قال في موضع آخر : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا . وفي هذه الآية دلالة على أن قوم هود استؤصلوا فلا عقب لهم . 73 - 79 ثم عطف سبحانه على ما تقدّم قصة صالح فقال وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أي وأرسلنا إلى ثمود ، وثمود هي القبيلة ، وهو ثمود بن عاثر بن ارم بن سام بن نوح ، وصالح من ولد ثمود قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ فتعبدوه قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي دلالة معجزة شاهدة على صدقي هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أشار إلى ناقة بعينها أضافها إلى اللّه سبحانه تفضيلا وتخصيصا نحو : بيت اللّه وقيل : إنما أضافها إليه لأنها خلقها بلا واسطة ، وجعلها دلالة على توحيده . وصدق رسوله ، لأنها خرجت من صخرة ملساء تمخضت بها كما تتمخض المرأة ، ثم انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها ، وكان لها شرب يوم تشرب فيه ماء الوادي كله وتسقيهم اللبن بدله ، ولهم شرب يوم يخصّهم لا تقرب فيه ماءهم عن السدّي وابن إسحاق وجماعة ، وقيل : إنما أضافها إلى اللّه لأنه لم يكن لها مالك سواه تعالى عن الجبائي . قال الحسن : كانت ناقة من النوق ، وكان وجه الاعجاز فيها أنها كانت تشرب ماء الوادي كله في يوم على ما شرحناه فَذَرُوها أي اتركوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ أي بعقر أو نحر فَيَأْخُذَكُمْ أي ينالكم عَذابٌ أَلِيمٌ أي مؤلم وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ أي واذكروا نعم اللّه تعالى عليكم في أن أورثكم الأرض ، ومكّنكم فيها من بعد عاد وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي انزلكم فيها وجعل لكم فيها مساكن وبيوتا تأوون إليها تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً والسهل خلاف الجبل وهو ما ليس فيه مشقة على النفس ، أي تبنون في سهولها الدور والقصور ، وإنما اتّخذوها في السهول ليصيّفوا فيها وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً كانوا يبنون القصور بكل موضع ، وينحتون من الجبال بيوتا يسكنونها في الشتاء لتكون مساكنهم في الشتاء أحصن وأدفأ ، ويروى أنهم لطول أعمارهم يحتاجون إلى أن ينحتوا بيوتا في الجبال لأن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعم اللّه عليكم بما أعطاكم من القوة وطول العمر ، والتمكن في الأرض وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي ولا تضطربوا بالفساد في الأرض ولا تبالغوا فيه قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أي تعظموا ورفعوا أنفسهم فوق مقدارها بجحود الحق للأنفة من اتباع الرسول الداعي إليه مِنْ قَوْمِهِ أي من قوم صالح لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي للذين استضعفوهم من المؤمنين لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ إنما ذكره لئلا يظن بالمستضعفين أنهم كانوا غير مؤمنين ، لأنه قد يكون المستضعف مستضعفا في دينه ولا يكون مؤمنا ، فأزال اللّه سبحانه هذه الشبهة أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ أي هل تعلمون أن اللّه سبحانه ارسل صالحا قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ أي مصدّقون قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لهم حين سمعوا منهم الإيمان والاعتراف بنبوة صالح إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ أي صدّقتم به كافِرُونَ جاحدون ، ثم أخبر سبحانه عما فعله المستكبرون بقوله فَعَقَرُوا النَّاقَةَ أي فنحروا الناقة وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي تجاوزوا الحدّ في الفساد والمعصية وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب على قتل الناقة فقد قتلناها